الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
99
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأوليائه المنقطعين لعبادته فخصّ بالذكر لذلك . والقول في عطف وزكرياء كالقول في نظائره السابقة . وجملة رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً مبيّنة لجملة نادى رَبَّهُ . وأطلق الفرد على من لا ولد له تشبيها له بالمنفرد الذي لا قرين له . قال تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 95 ] ، ويقال مثله الواحد للذي لا رفيق له ، قال الحارث بن هشام : وعلمت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فشبه من لا ولد بالفرد لأن الولد يصيّر أباه كالشفع لأنه كجزء منه . ولا يقال لذي الولد زوج ولا شفع . وجملة وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ثناء لتمهيد الإجابة ، أي أنت الوارث الحق فاقض عليّ من صفتك العلية شيئا . وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات اللّه عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها ، كما قال أيوب وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : 83 ] ، ودلّ ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية [ سورة مريم : 6 ] يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ . حذفت هاته الجملة لدلالة المحكي هنا عليها . والتقدير : يرثني الإرث الذي لا يداني إرثك عبادك ، أي بقاء ما تركوه في الدنيا لتصرّف قدرتك ، أو يرثني مالي وعلمي وأنت ترث نفسي كلها بالمصير إليك مصيرا أبديا فأرثك خير إرث لأنه أشمل وأبقى وأنت خير الوارثين في تحقق هذا الوصف . وإصلاح زوجه : جعلها صالحة للحمل بعد أن كانت عاقرا . وتقدم ذكر زكرياء في سورة آل عمران وذكر زوجه في سورة مريم . إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء المذكورين ، وما أوتوه من النصر ، واستجابة الدعوات ، والإنجاء من كيد الأعداء ، وما تبع ذلك ، ابتداء من قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً [ الأنبياء : 48 ] . فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين . وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب ، أي ما استحقّوا ما أوتوه إلا لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدّهم في تحصيلها . وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبهم وهجّيراهم .